الذكرى السنوية التاسعة

 

إفترقنا من غير ميعاد .. إفترقنا وسبحان المجمع عاد

أيها الفارس الذي كان ومازال ملئ النفس والعين يا من ترجل واستعجل الرحيل دون كلمة وداع .. يا ابني وشقيقي وحبيبي وأنيسي وجليسي وحبة قلبي ونواره عيني يا ريحانة الأنف والعين والحشا يا سندي وعزوتي  يا رمحي وسهمي وعضدي وعدتي وعتادي يا نوارة جمعنا و مضئ ليلنا وظل هجيرنا يا تؤم نفسي الغائبة ياحبة قلبي الملتاع يا شمس عمري التي غربت قبل أن يتم شروقها يا زهرتي التي ذبلت قبل أن يشتد عودها وإن كان قد بكر بالفوح أريجها يا أحب الناس.. تمضي بي الأيام والأعوام وها أنا ذا أعود مرة أخري لأكتب لك قبل أن اشد الرحيل لمشاركة من تبقى على العهد من أحباؤك إحياء الذكري السنوية التاسعة ليوم افل شمسه وادلهم وطال ليله، فجعتنا فيه برحيلك ، يوم بكتك فيه السماء قبل أن تبكيك عيون الأحباء أهديتك فيه مرغماً الثرى يا أعز الناس فيا عزة المهدى ويا حسرة المهدي.

تلك كانت وستظل يا ولدي - ما قدر لي من البقاء حياً - بداية حديثي إليك في الذكرى الثامنة للرحيل، وتصادف هذا العام أن كتب الأسبوع الماضي وهذا الأسبوع الكاتب مرسي سعد الدين بجريدة الأهرام مقالاً بعنوان أي دمعة حزن يسجل الكاتب في المقال قصة واقعية شعرت كما شعر الكاتب بتقارب شديد معها حيث وجدت أن هناك من يشاركنا مأساتنا أنا وأنت وأن ما مررت به وما اصطبغت به طلعتي من أحزان ليس غريباً ولا به أي شذوذ أو استمراء للعذاب وأنني لست متفرداً كما يدعي الآخرون رأيت أن أشاركك إياها وها أنا انقل إليك مقتطفات منها فيما يلي من سطور. 

ليست دمعة واحدة‏,‏ بل دموع ودموع‏,‏ إنها قصة قرأتها في إحدى الجرائد الانجليزية‏,‏ كنت أتوقف كل بضع دقائق لأجفف دموعي ثم أعيد القراءة لأتوقف مرة أخري‏,‏ إنها قصة فتاة في سن الزهور التي بدأت تتفتح‏,‏ ثلاثة عشر عاما من السعادة والحب انتهت فجأة حين صدمها وصديقتها القطار‏,‏ كانت الصديقتان في طريقهما لشراء هدايا أعياد الميلاد حين دهمهما القطار المسرع وانتهت حياة زهرتين‏.‏

كانت تشارلي ـ وهذا هو اسمها ـ ابنة بين حبيين فكانت قرة العين يدللها الأم والأب والأخان‏,‏ وبدأ الأب يشعر أنه علي شفا الجنون وبدأ من يوم‏2‏ يناير‏2006‏ يكتب خطابات إلي ابنته واستمر في الكتابة حتى آخر ابريل‏,‏ خطابات يومية بلغت‏70‏ ألف كلمة كلها موجهة إلي ابنته الحبيبة تشارلي‏.‏

لقد شعرت بتقارب شديد مع الأب‏,‏ فقد مرت علي نفس التجربة ووجدت في هذه الرسائل نوعا من الإخوة والتعاطف الذي يربطه الحزن العميق والدموع المدرارة‏,‏ ويقول الأب انه كان يكتب لابنته حتى لا تفوتها أية أحداث عائلية‏,‏ كانت تشارلي جزءا من حياتنا وحين اكتب لها فإني اشعر بالراحة والتحسن‏,‏ إني في حاجة لأن أتحدث إليها‏,‏ طبعا إني اعرف إني أحادث نفسي ولكني استطيع أن اسمعها تتحدث إلي وحين أسأل تشارلي كيف حالك؟ فإنها ترد إني بخير‏.‏

طبعا لن أستطيع أن أقدم كل ما نشرته الصحيفة من رسائل وسأختار بعض ما أثر في منها ومزق قلبي‏,‏ انه يبدأ كل رسائله بحبيبتي تشارلي أو ببعض أسماء التدليل التي كان يستعملها في حياتها‏,‏ يقول في أول خطاب‏:‏ نحن نفترش جميعنا الأرض منذ أن تركتنا في حجرة الجلوس في الدور الأرضي‏,‏ إني لا استطيع أن أتحدث عنك وكأنك لن تعودي‏,‏ لن استطيع أن أقول كانت أو أصبحت أو أية كلمة تعني الماضي‏,‏ فأنت بالنسبة لي مازلت حية برغم إني اعرف إني لن استطيع أن أضمك إلي‏.‏

وفي رسالة أخري يقول‏:‏ سأكتب عن كل ما كنت تفعلينه وسأخبر العالم أن عندي أعظم ابنة في العالم‏,‏ أنت ستحيين إلي الأبد ويقول أخوك روبي انك كنت دائما تشعرين بسعادة بالغة وان السعادة التي شعرت بها في ثلاثة عشر عاما تفوق سعادة عمر بأكمله‏,‏ واني أرجو وابتهل أن يكون ذلك حقيقيا‏,‏ إني اشعر بالفخر بأني أبوك واشعر أنك أصبحت وكنت اشعر انك تريدين صحبتي‏,‏ آه يا حبيبتي إني أحدق في صورتك علي الكمبيوتر ولا استطيع أن اصدق انك لست في الحجرة المجاورة‏,‏ ان حياتي‏,‏ حياتنا أصبحت كابوسا سرياليا لا اعتقد إننا سنصحو منه‏,‏ أنت في كل مكان‏,‏ في كل فكر وفي كل ركن‏,‏ إني لم انقطع عن البكاء‏..‏

ويستكمل الكاتب مقاله هذا الأسبوع فيقول

حين نشرت مقالي السابق أي دمعة حزن لم أتوقع ذلك السيل من الرسائل والمكالمات التليفونية‏,‏ التي إن كانت تعبر عن شئ‏ ,‏ فهي تعبر عن عدد الذين تعرضوا لأعظم الأحزان‏,‏ رحيل ابن أو ابنة‏.‏ لقد عكست الرسائل تعاطفا عميقا وتفهما لمآسي الآخرين‏.‏ والواقع أني شعرت بالأسف وبالرغبة في الاعتذار لأنني ساعدت في فتح جروح كانت قد اندملت‏.‏

ولكن هل حقيقة أن تلك الجروح قد اندملت‏,‏ وهل استطاعت ستائر النسيان أن تنسي أو تنهي الألم الذي تحس به‏,‏ نحن الذين فقدنا أعز ما لدينا‏,‏ لاشك في أن فقدان عزيز أمر يحطم القلب ولكن فقدان ابن أو ابنة يجعل لا معني للحياة لا مكان هنا للنسيان ولكن للتعايش مع ما حدث‏,‏ مثل ما يتعايش مريض بمرض مزمن لا أمل لشفائه‏,‏ فيأخذ له بعض المهدئات‏.‏

وقد وجدت أن رد الفعل لفقد ابن أو ابنة يختلف من شخص إلي آخر‏.‏ هناك من يغلق حجرته ويترك كل شئ فيها كما كان‏,‏ وهناك من يفرق ما تركه الابن كحسنة لمن يحتاجون‏,‏ هناك من يرفض تناول الأطعمة التي أحبها الغائب الحبيب وهناك من يحتفل بتناولها‏,‏ هناك من يقاطع الأماكن التي كان يزورها وهناك من يجد راحة في زيارتها‏,‏ واتصل بي صديق فقد ابنه في حادث سيارة ليقول انه بدأ فعلا في كتابة خطابات إلي ابنه وإن هذا يعطيه نوعا من الراحة‏.‏

إن التعامل مع الحزن‏,‏ خاصة ذلك الحزن‏,‏ لا يمكن توحيده‏,‏ ومازلت أذكر صديقا لي فقد ابنه في حادث طائرة‏,‏ ابن في عز شبابه ولعلها كانت أول رحلة له كواحد من طاقم الطائرة‏.‏ لازلت أذكر حين جاء إلي وقال لقد مر بك ذلك الظرف حين فقدت ابنك‏.‏ فأخبرني بربك ماذا أفعل؟ إني لا أعرف ماذا علي أن أفعل؟ إني لا أشعر بأي شئ‏:‏ فقلت له بدون تردد أول ما يجب أن تفعله أن تترك العنان لدموعك‏,‏ فمن أحق بدموعك من ابنك؟

حقاً وصدقاً وأتساءل يا حبة القلب ونوارة العين كما تساءل اليوم الكاتب الغيطاني بجريدة الأخبار، هل ثمة مكان يحتوي الراحلين؟ هل سيأتي زمن يمكن تحديد موضع بعينه يقيم فيه من سبقونا؟ يمكن أن نولي الوجه صوبه، أن نبلغه فنلقي ونستعيد أيامنا؟

هل يوجد هذا المكان وهل سوف نصل يوماً إليه فنلتقي يا ريحانة الأنف واعين والحشا؟
هكذا أمضيت وتمضي بي الأيام يا أحب الناس، لقد افترقنا من غير ميعاد، افترقنا وسبحان المجمع عاد !! ما عاد هناك ما يستحق عناء البقاء بعد رحيلك يا تميم وكل ما بي يتوق لبلوغ هذا المكان وذالك الزمان من يدري؟ فإلى أن يحين ذلك اليوم فإنني أتمني أن تكون حيثما أنت في أسعد حال مع الذين ظفروا بسبق الرحيل من أحبابنا ، أتركك بكل شوق الطير اللي ف الشرك حايزينها وبحنين ناج باعو حوارها -- الكويت يونيو2006